يتمتع الذهب بسمعة تاريخية كأصل يلجأ إليه المستثمرون عند اضطراب السياسة واختلال الأسواق، مما يجعله في نظر الكثيرين ضمانة تلقائية ضد المخاطر. ومع ذلك، فإن الواقع الاستثماري أكثر تعقيدًا؛ فالذهب لا ينجح دائمًا في لعب دور الملاذ الآمن، إذ تعتمد فاعليته على نوع الأزمة، والمسافة الفاصلة بين الخوف الذي يدفع للاحتماء، والخوف الذي يدفع إلى التسييل.
فهم طبيعة الملاذ الآمن
تفرق الدراسات الأكاديمية بوضوح بين الأصول التي توفر تنويعًا في الظروف العادية، وتلك التي تعمل كملاذ آمن في لحظات الاضطراب الحاد. الذهب قد يعمل كأداة للتحوّط من الأسهم على المدى الطويل، لكن هذه الخاصية ليست مفتوحة زمنيًا. فالمعدن النفيس لا يحمي من كل شيء، بل من أنواع محددة من الصدمات وفي نوافذ زمنية معينة.
الذهب في عيون البنوك المركزية
أشار البنك المركزي الأوروبي في تقاريره إلى أن الذهب يؤدي دور الملاذ الآمن خلال فترات الضغط الجيوسياسي. ومن المثير للاهتمام أن المؤسسات النقدية تتعامل معه بعقلانية؛ حيث ارتفعت حصة الذهب في الاحتياطيات الرسمية العالمية إلى 20% بنهاية 2024، متجاوزة حصة اليورو، مدفوعة بمشتريات قوية من كل البنك المركزي حول العالم، وهو ما يعكس ثقة إستراتيجية في قدرة الذهب على التحوط من التضخم.
متى يفشل الذهب في حماية المحفظة؟
يتعثر الذهب حين تتحول الأزمة من أزمة ثقة إلى أزمة السيولة. في لحظات الذعر الشامل، يُباع الذهب أحيانًا ليس لأنه أصل سيئ، بل لأنه أصل سائل يمكن تسييله بسرعة لتغطية خسائر أو طلبات هامش في المركز المالي للمستثمر. في هذه الحالات، قد يضطر المستثمرون لبيع الذهب لتوفير الضمان اللازم لتغطية مراكزهم الأخرى.
كما قد يتراجع الذهب حين يسبقه الدولار إلى موقع الملاذ الأول، وهو ما وثقه صندوق النقد الدولي في أبحاثه حول صدمات الهروب إلى الأمان، حيث تزداد جاذبية الأصول الأميركية على حساب غيرها، مما يضغط على الذهب، خاصة في الأسواق الناشئة.
التضخم وعدو الذهب الخفي
يواجه الذهب تحديًا كبيرًا عندما تتحول الأزمة الجيوسياسية إلى صدمة تضخمية ترفع أسعار النفط وتدفع البنوك المركزية لرفع الفائدة. في هذه اللحظة، يصبح الذهب -الذي لا يوزع عائدًا- عبئًا، حيث ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به، مما يؤدي إلى تراجعه رغم وجود التوتر السياسي.